محمد عبد الله دراز

361

دستور الأخلاق في القرآن

أمّا مذهب الظّاهرية ، فيرى أنّ المسؤولية الّتي تقع على عاتق الإنسان في حالة كهذه - هي ذات طابع أخلاقي - على وجه الخصوص ، فهي تنحصر أوّلا في تربية من لا عقل له ، وترويضه ، ثم في إجراءات للحماية ، ذات فاعلية أكثر بحيث تمنع عودة الأحداث المسببة للضرر « 1 » . فهذه المدرسة تستبعد بصورة منهجية كلّ مسؤولية قانونية غير مباشرة ، سواء أكانت ناشئة عن فعل تلقائي ، لكائنات غير مسؤولة ، ( كالأطفال ، والمجانين ، والحيوانات ) ، ما دمنا لم نحرضهم على القيام به أم عن فعل الغير ، حتّى لو كنّا رغبنا إليه أن يفعله ، دون أن نكرهه عليه . ومهما تكن نتيجة هذا النّقاش الثّانوي ، فإنّه يكفي - لكي نكشف عن عنصر موضوعي في المسؤولية المدنية ، في الشّريعة الإسلامية - أن نلاحظ أنّ الإنسان البالغ السّوي ( الطّبيب مثلا ) مسؤول ماليا عن الضّرر الّذي يحدثه مباشرة بوساطة نشاطه الإرادي ، بشرط أن يكون مقصودا ، على أنّه لا يتحمل من أجل هذا ، لا تعزيرا إنسانيا ، ولا عقابا إلهيا . ولا شك أنّ المسؤولية الأخلاقية ليست مستبعدة هنا تماما ، فإنّ الإهمال هو فعلا نقص في الانتباه ، وينبغي أن يعتد خطأ ، أو نصف

--> ( 1 ) عولجت هذه المسألة في المحلى في موضعين ، أحدهما : عند الحديث عن القتل الخطأ ، والضّمان في : 10 / 416 وما بعدها ، والآخر : في ج : 11 / 7 - 8 ، قال ابن حزم ، « والقول عندنا في هذا أنّ الحيوان ، أي حيوان كان ، إذا أضر في إفساد الزّرع ، أو الثّمار فإنّ صاحبه يؤدب بالسوط ، ويسجن إن أهمله ، فإنّ ثقفه فقد أدى ما عليه ، وإن عاد إلى إهماله بيع عليه ولا بد ، أو ذبح وبيع لحمه ، أي ذلك كان أعود عليه ، أنفذ عليه ذلك » ، فقد شملت الإجراءات على هذا النّحو الأطراف الثّلاثة : الإنسان الّذي وقع به الضّرر ، والآخر مالك الحيوان ، والحيوان أخيرا ، ومع ذلك فقد روعني جانب مالك الحيوان من حيث توفير أقصى النّفع عند اتخاذ إجراءات التّأديب والحماية ، بعيدا عن روح الانتقام . « المعرب » .